عبد القادر الجيلاني

251

السفينة القادرية

ومما يعرّفك قبح إهمال أحوال النفس قوله تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ « 1 » . ولما عظم عليه أمر النفس والهوى استغاث ربه بقوله : « أغثني يا مغيث ثلاثا أغثني عند تغير حالي » أغثني فعل طلب ، والنون نون الوقاية ، والياء مفعول به ، ومغيث اسم فاعل من أغاث أطلقه ، إذ لا مغيث في الحقيقة إلا اللّه ، والإغاثة العون والنصرة على المشاقة ، ومناجاة اللّه . . . وطلبه عند الشدائد من الأمور المحبوبة عنده عز وجل . قال في نوادر الأصول : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما صوت أحب إلى اللّه تعالى من صوت عبد لهفان قالوا يا رسول اللّه ما اللهفان قال عبد أصاب ذنبا فكلما ذكر ذنبه امتلأ قلبه خوفا من اللّه ، فقال يا رب » . وقوله : أغثني عند تغير حالي يحتمل ذلك أمرين أحدهما تغيره باتباع النفس والهوى ، ثانيهما تغير الحال في الدنيا والآخرة لأن الدنيا تحول بأهلها إلى الآخرة وحالات الآخرة بعد الموت عديدة وأول منازلها القبر ، والناس في الآخرة متى لم يستقر لهم قرار يكون حالهم متغيرا إلى انفصال الموقف إما إلى جنة وإما إلى نار أعاذنا اللّه منها بمنّه وكرّمه ، ثم قال رضي اللّه عنه « اللهم أنا عبدك المذنب المخطيء أجرني من النار يا مجير ثلاثا » قد تقدم الكلام على لفظ اللهم والعبد مأخوذ من العبودية وهي عند القوم لها أربع خصال . الوفاء بالعهود ، والحفظ للحدود ، والرضا بالموجود ، والصبر على المفقود ، فمتى حصلت هذه الخصال لإنسان كان عبدا لمولاه ، قائما بحق العبودية ، وقوله المذنب أي الآثم والخطأ ضد الصواب ، والإجارة طلب الأمن من المستجار به ، والمعنى أنه يطلب من اللّه الأمن من نار جهنم لأنه عبده ومملوكه وقد أخطأ وأذنب ، ومن المعلوم الذي صرح به القرآن أن اللّه تعالى رتب العقاب على المذنبين الخاطئين ، وإن كان سبحانه وتعالى يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء لا حرج عليه في ذلك وأعد لعقاب من شاء عقابه نار جهنم ، وقوله

--> ( 1 ) سورة الحشر / آية 19 .